الشيخ عباس القمي

479

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

مشكل ، وتلك الحروف تفريق كل شيء من اسم حقّ وباطل أو فعل أو مفعول أو معنى أو غير معنى ، وعليها اجتمعت الأمور كلّها ، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها يتناهى ولا وجود لأنّها مبدعة بالإبداع ، والنور في هذا الموضع أوّل فعل اللّه الذي هو نور السماوات والأرض ، والحروف هي المفعول بذلك الفعل ، وهي الحروف التي عليها الكلام والعبارات كلّها من اللّه عز وجل ، علّمها خلقه ، وهي ثلاثة وثلاثون حرفا . فمنها ثمانية وعشرون حرفا تدلّ على اللغات العربية ، ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفا تدلّ على اللغات السريانية والعبرانية . ومنها خمسة أحرف متحرّفة في سائر اللغات ، من العجم لأقاليم اللّغات كلّها ، وهي خمسة أحرف تحرّفت من الثمانية والعشرين الحرف من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفا . فأما الخمسة المختلفة فبحجج لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه ، ثم جعل الحروف بعد إحصائها وإحكام عدّتها فعلا منه كقوله عز وجل : كُنْ فَيَكُونُ * وكن منه صنع ، وما يكون به المصنوع ، فالخلق الأول من اللّه عز وجل الابداع لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حسّ ، والخلق الثاني الحروف لا وزن لها ولا لون ، وهي مسموعة موصوفة غير منظور إليها ، والخلق الثالث ما كان من الأنواع كلّها محسوسا ملموسا ذا ذوق منظورا إليه ، واللّه تبارك وتعالى سابق للابداع لأنّه ليس قبله عز وجلّ شيء ولا كان معه شيء ، والابداع سابق للحروف ، والحروف لا تدلّ على غير أنفسها . قال المأمون : وكيف لا تدلّ على غير أنفسها ؟ قال الرضا عليه السّلام : لأن اللّه تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئا لغير معنى أبدا ، فإذا ألّف منها أحرفا أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقلّ لم يؤلّفها لغير معنى ولم يك إلّا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا . قال عمران : فكيف لنا بمعرفة ذلك ؟ قال الرضا عليه السّلام : امّا المعرفة فوجه ذلك وبابه أنّك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير أنفسها ذكرتها فردا فقلت : أب ت ث ج ح خ حتى تأتي على آخرها فلم تجد لها معنى غير أنفسها ، فإذا ألّفتها وجمعت منها أحرفا وجعلتها اسما وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها داعية إلى